الغزالي

513

إحياء علوم الدين

ويروى « أنّه صلَّى الله عليه وسلَّم [ 1 ] قرأ بسم الله الرّحمن الرّحيم فردّدها عشرين مرّة » وإنما ردّدها صلَّى الله عليه وسلم لتدبره في معانيها . وعن أبي ذر قال : « قام رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم [ 2 ] بنا ليلة فقام بآية يردّدها وهي * ( إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ « 1 » ) * الآية وقام تميم الداري ليلة بهذه الآية * ( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ « 2 » ) * الآية وقام سعيد ابن جبير ليلة يردد هذه الآية * ( وامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ « 3 » ) * وقال بعضهم : إني لأفتتح السورة فيوقفني بعض ما أشهد فيها عن الفراغ منها حتى يطلع الفجر . وكان بعضهم يقول : آية لا أتفهمها ولا يكون قلبي فيها لا أعدّ لها ثوابا . وحكى عن أبي سليمان الداراني أنه قال : إني لأتلو الآية فأقيم فيها أربع ليال أو خمس ليال ولولا أنى أقطع الفكر فيها ما جاوزتها إلى غيرها . وعن بعض السلف أنه بقي في سورة هود ستة أشهر يكررها ولا يفرغ من التدبر فيها . وقال بعض العارفين : لي في كل جمعة ختمة ، وفي كل شهر ختمة ، وفي كل سنة ختمة ولي ختمة منذ ثلاثين سنة ما فرغت منها بعد ، وذلك بحسب درجات تدبره وتفتيشه . وكان هذا أيضا يقول : أقمت نفسي مقام الأجراء فأنا أعمل مياومة ومجامعة ومشاهرة ومسانهة الخامس : التفهم ، وهو أن يستوضح من كل آية ما يليق بها إذا القرءان يشتمل على ذكر صفات الله عز وجل ، وذكر أفعاله ، وذكر أحوال الأنبياء عليهم السلام ، وذكر أحوال المكذبين لهم وأنهم كيف أهلكوا ، وذكر أوامره وزواجره ، وذكر الجنة والنار أما صفات الله عز وجل فكقوله تعالى : * ( لَيْسَ كَمِثْلِه شَيْءٌ وهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ « 4 » ) * وكقوله تعالى : * ( الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ « 5 » ) * فليتأمل معاني هذه الأسماء والصفات لينكشف له أسرارها ، فتحتها معان مدفونة لا تنكشف إلا للموفقين ، وإليه أشار على رضي الله عنه بقوله [ 3 ] « ما أسرّ إلىّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم شيئا كتمه عن النّاس إلَّا أن يؤتى الله عزّ وجلّ عبدا فهما في كتابه » فليكن حريصا على طلب ذلك الفهم

--> « 1 » المائدة : 118 « 2 » الجائية : 21 « 3 » يس : 59 « 4 » الشورى : 11 « 5 » الحشر : 32